المنجي بوسنينة
24
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
أبي العلاء بن زهر الطبيب المشهور ، غير أنّ هذه الرواية قد تكون مختلقة ، علما بأنّ المنافسة بين الرجلين كانت شديدة بسبب المشاركة في مهنة الطبّ التي ملأت عليه حياته بخيرها وشرّها ، فأدخلته السجن مرّتين وقلّدته منصب الوزارة مرّتين . وهذا التنوّع في مواهبه وانشغالاته أهّله لأن يشتهر بالفيلسوف والوزير والملحّن والشاعر . ولئن كنّا لا نعرف شيئا عن شيوخه المباشرين . فإنّه يمكن أن نقول إنّ مصادر فكره كانت متعدّدة : فمن أفلاطون والإسكندر الأفروديسي ، وبطليموس ، وأبو قراط ، وجالينوس ، إلى الغزالي ؛ لكن الفارابي وأرسطو هما أهمّ من طبع فكره . وتكشف لنا رسالة له بعثها إلى جعفر بن حسداي جوانب من تحصيله وتطوّره الفكري . حيث يخبرنا عن شيخ محتمل له في الهندسة والحساب ، لينتقل منهما إلى الفلك ، ثمّ إلى منطق الفارابي ، ليحطّ أخيرا في رحاب العلوم الطّبيعيّة . موازاة لذلك تذكر المصادر أنّه كان شاعرا وعالما بالأدب والنحو . لقد التقت في فكره الموسوعي ستّ منظومات علميّة : المنظومة الرياضيّة لإقليدس وشراحه ، والمنظومة الطّبيعيّة الأرسطيّة ، والمنظومة الطبيّة لأبوقراط وجالينوس ، والمنظومة الفلكيّة لبطليموس ، والمنظومة المنطقيّة والمدنيّة للفارابي . هذا بالإضافة إلى منظومة العلوم العربيّة الإسلاميّة . ولعل تقاطع هذه التيّارات العلميّة والفلسفيّة والأدبيّة المتنافرة في فكره هو ما يفسّر جانبا من الغموض الذي طبع معظم أعماله . وقد يكون لثقافته الشعريّة والموسيقيّة دور في إقدامه على الاستقلال عن السابقين عليه . عدّ أبو بكر بن الصائغ « بشير عصره » في العلم والفلسفة والشعر والموسيقي . وقد كان أوّل من أبدى شجاعة نادرة في الجهر بممارسته للصنائع النظريّة ، متحدّيا بذلك المناخ المعادي لها والمضطهد لأصحابها . ولم يقف عند حدّ استيعاب تاريخ الفلسفة والعلم كما وصلا إلى الأندلس في زمانه ، بل عمل على نقده وتطويره وصياغة فلسفة جديدة وعلم جديد . ذلك أنّ بعض ما يميّز شروحه ورسائله ، سواء تلك التّي لا جدال في نسبتها إليه ، أو التي قد يحوم حولها بعض الشكّ ، هو أنّها تتردّد بين الانتماء صراحة إلى فلسفة مشائية قويّة ، والميل نحو آفاق ميتافيزيقيّة مشوبة بالإشارات الصّوفيّة والأفلاطونيّة المحدثة . وبهذا النحو يمكن اعتباره أبا للتيّارين المشائي الخالص الذي مثله ابن رشد ، والأفلاطوني المحدث الذي نطق باسمه ابن طفيل . يحدد مفهومان كبيران معالم الإشكاليّة الفلسفيّة لابن باجة هما : التدبير والاتصال . وقد استعملهما للتعبير عن العلاقة بين الإنسان والعقل ، وبين الذات والغير . نظريّا ، كان ابن باجة يعرّف الإنسان بالعقل ، لكنّه كان يعرّفه بالقوّة الفكرية تارة ، والقوّة الناطقة تارة أخرى ، ممّا يدلّ على أنّه كان يعني بالعقل « العقل الفعال » ، وأنّه كان يضعه أفقا أعلى للإنسان ، لا يصل إليه إلّا ذوو الفطرة الفائقة . لذلك يبقى العلم النظري الذي هو خروج القوّة الناطقة من القوّة إلى الفعل ، هو الذي يحدّد ذات الإنسان . والإشكاليّة التي تسري في أعماله ، ككتاب « تدبير المتوحّد » ، و « رسالة الوداع » ، و « رسالة الاتصال » ، واحدة ولو بصور مختلفة ، هي كيف يمكن للمتوحّد داخل مدينة ناقصة أن